محمد محمد أبو موسى
489
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة ، لأنه في حكم المنطوق به . نظير قول من يخاطب الحجاج : أسد علىّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصّافر « 48 » وقد كان الزمخشري بصيرا في تطبيق هذا الأساس الذي ارتضاه فرقا بين التشبيه والاستعارة . فقد يجرى الكلام على ما يوهم طرح المشبه واسقاطه ، فيظن أنه من باب الاستعارة ثم يقع في الكلام ما يجعله من باب التشبيه ، يقول في قوله تعالى : « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » « 49 » : « والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ، والخيط الأسود ما يمتد معه من غبش الليل ، شبها بخيطين أبيض وأسود ، وقال أبو داود : فلما أضاءت لنا سدفة * ولاح من الصّبح خيط أنارا وقوله : « مِنَ الْفَجْرِ » بيان للخيط الأبيض ، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود ، لأن بيان أحدهما بيان للثاني ، ويجوز أن تكون « من » للتبعيض ، لأنه بعض الفجر وأوله ، فان قلت : أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ قلت : قوله « مِنَ الْفَجْرِ » أخرجه من باب الاستعارة ، كما أن قولك : رأيت أسدا مجازا ، فإذا زدت : من فلان ، رجع تشبيها ، فان قلت : فلم زيد « مِنَ الْفَجْرِ » حتى كان تشبيها ؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه ، وأدخل في الفصاحة ؟ قلت : لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام ولو لم يذكر « مِنَ الْفَجْرِ » لم يعلم أن الخيطين مستعاران فزيد « مِنَ الْفَجْرِ » فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة » « 50 » .
--> ( 48 ) الكشاف ج 1 ص 58 ، 59 ( 49 ) البقرة : 187 ( 50 ) الكشاف ج 1 ص 174 ، 175